«

»

طباعة الخبر

  0 210  

نص العهد النبوي الى نصارى نجران لم يثبت سندا



نص العهد النبوي الى نصارى نجران لم يثبت سندا

إطلعت على رواية سميت بوثيقة عهد النبي إلى نصارى نجران. وتضمنت لفظا عجيبا لا أعهده من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فيها أنه عليه الصلاة والسلام تعهد بأن يكون حارسا لملة النصارى ودينهم. فهل فعلا تعهد النبي بأن يحرس الدين النصراني؟

لا شك أنه لا يجوز الهجوم على الكنائس وتفجيرها كما يفعل الجهال المتهورون.

ولا شك أن من أهم تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم الوفاء بالعهد وضمان أمن من رفضوا الاسلام ودفعوا الجزية إلى حد تهديده الشديد لمن يخفر ذمة الله ونقض عهد رسوله بأنه لن يجد ريح الجنة.

أن يكون حارسا لأمن من عاهدهم وأعطاهم الأمان على ديارهم وأموالهم؟ هذا حق.

وأن يكون حافظا لكنائسهم من أن تنتهك ويقتل من فيها. هذا حق.

فإن دين الإسلام هو دِين العدل والرحمة .
ولكن أن يكون حارسا للدين النصراني الذي ينسب الولد لله ويقول بثلاثة آلهة؟ فهذا باطل وغير ثابت عنه أصلا.

هذا ما حملني على البحث عن مصدر هذه الوثيقة.

بحثت طويلا فلم أجد شيئا إلا ما ادعاه ابن حميد وهو جماع لكل ما يقع لديه من غير تحقق ولا تثبت.   

وإليكم النص:

« ولنجران وحاشيتها، ولأهل ملتها، ولجميع من ينتحل دعوة النصرانية في شرق الأرض وغربها، قريبها وبعيدها، فصيحها وأعجمها، جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله وعلى أموالهم وأنفسهم وملتهم، وغائبهم وشاهدهم، وعشيرتهم، وبيعهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير. لا يغير أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته… ولا يطأ أرضهم جيش… وأن أحمي جانبهم، وأذب عنهم وعن كنائسهم وبيعهم وبيوت صلواتهم… وأن أحرس دينهم وملتهم أين كانوا… بما أحفظ به نفسي وخاصيتي وأهل الإسلام من ملتي».

المصدر: لا شيء من كتاب من كتب الحديث.

ومن الأدلة على بطلانها أنه ورد فيها وصية النبي e لكل مسلم أن «يخفض لهم جناح الرحمة».

قلت: لو كان اللفظ «وأن يكون المسلمون رحماء لهم» لكان مخالفا لقول الله عن المؤمنين ﴿أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾. فكيف وقد جاء في الرواية مخالفة بقوله «يخفض لهم جناح الرحمة».

وورد فيها أيضا:

« ولا يجبر أحد ممن كان على ملة النصرانية كرهاً على الاسلام». ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن».

فعدم الإجبار على ترك دينهم مفهوم وغير منقوض ولكن: أن يربط الآية بهذه الوصية فلا علاقة بينهما.

ولو أكمل مخترع هذا النص الآية لانكشف تدليسه ﴿إلا الذين ظلموا منهم﴾ فهل شرع الاسلام إجبار الذين ظلموا منهم على الاسلام؟

ومما ورد فيها أيضا:

« لهم ان احتاجوا في مرمة ـ ترميم ـ بيعهم وصوامعهم أو شيء من مصالح أمورهم ودينهم الي رفد من المسلمين وتقوية لهم علي مرمتها ـ ترميمها».

وهذا غير صحيح.
فقد جَرَى عَمَل الخلفاء الراشدين على أنه لا يُجدَّد ما انهدم مِن كنائس النصارى .
ففي الشروط العُمرية التي وضَعها عمر رضي الله عنه : ولا يُجَدَّد ما خَرَب مِن كَنائسِنا» .
قال ابن قدامة :
 
أَمْصَارُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ : 
أَحَدُهَا : مَا مَصَّرَهُ الْمُسْلِمُونَ ، كَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ وَبَغْدَادَ وَوَاسِطَ ، فَلا يَجُوزُ فِيهِ إحْدَاثُ كَنِيسَةٍ وَلا بِيعَةٍ وَلا مُجْتَمَعٍ لِصَلاتِهِمْ ، وَلا يَجُوزُ صُلْحُهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ  عَنْ عِكْرِمَةَ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَيُّمَا مِصْرٍ مَصَّرَتْهُ الْعَرَبُ ، فَلَيْسَ لِلْعَجَمِ أَنْ يَبْنُوا فِيهِ بِيعَةً ، وَلا يَضْرِبُوا فِيهِ نَاقُوسًا ، وَلا يُشْرِبُوا فِيهِ خَمْرًا ، وَلا يَتَّخِذُوا فِيهِ خِنْزِيرًا . رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَاحْتَجَّ بِهِ .
وَلأَنَّ هَذَا الْبَلَدَ مِلْكٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَلا يَجُوزُ أَنْ يَبْنُوا فِيهِ مَجَامِعَ لِلْكُفْرِ .
وَمَا وُجِدَ فِي هَذِهِ الْبِلادِ مِنْ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ ، مِثْلُ كَنِيسَةِ الرُّومِ فِي بَغْدَادَ ، فَهَذِهِ كَانَتْ فِي قُرَى أَهْلِ الذِّمَّةِ ، فَأُقِرَّتْ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ .

الْقِسْمُ الثَّانِي : مَا فَتَحَهُ الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً ، فَلا يَجُوزُ إحْدَاثُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِيهِ ؛ لأَنَّهَا صَارَتْ مِلْكًا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ فَفِيهِ وَجْهَانِ : 
أَحَدُهُمَا : يَجِبُ هَدْمُهُ ، وَتَحْرُمُ تَبْقِيَتُهُ ؛ لأَنَّهَا بِلادٌ مَمْلُوكَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ فِيهَا بِيعَةٌ ، كَالْبِلادِ الَّتِي اخْتَطَّهَا الْمُسْلِمُونَ .
وَالثَّانِي : يَجُوزُ ؛ لأَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنَ عَبَّاسٍ : أَيُّمَا مِصْرٍ مَصَّرَتْهُ الْعَجَمُ ، فَفَتَحَهُ اللَّهُ عَلَى الْعَرَبِ ، فَنَزَلُوهُ ، فَإِنَّ لِلْعَجَمِ مَا فِي عَهْدِهِمْ .
وَلأَنَّ الصَّحَابَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَتَحُوا كَثِيرًا مِنْ الْبِلادِ عَنْوَةً ، فَلَمْ يَهْدِمُوا شَيْئًا مِنْ الْكَنَائِسِ .
وَيَشْهَدُ لِصِحَّةِ هَذَا ، وُجُودُ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ فِي الْبِلادِ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا مَا أَحْدَثَتْ ، فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً فَأُبْقِيَتْ .
وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى عُمَّالِهِ : أَنْ لا يَهْدِمُوا بِيعَةً وَلا كَنِيسَةً وَلا بَيْت نَارٍ .
وَلأَنَّ الإِجْمَاعَ قَدْ حَصَلَ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي بِلادِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ .

الْقِسْمُ الثَّالِثُ : مَا فُتِحَ صُلْحًا ، وَهُوَ نَوْعَانِ : 
أَحَدُهُمَا : أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى أَنَّ الأَرْضَ لَهُمْ ، وَلَنَا الْخَرَاجُ عَنْهَا ، فَلَهُمْ إحْدَاثُ مَا يَحْتَاجُونَ فِيهَا ؛ لأَنَّ الدَّارَ لَهُمْ .
وَالثَّانِي : أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى أَنَّ الدَّارَ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَيُؤَدُّونَ الْجِزْيَةَ إلَيْنَا ، فَالْحُكْمُ فِي الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ عَلَى مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الصُّلْحُ مَعَهُمْ ، مِنْ إحْدَاثِ ذَلِكَ ، وَعِمَارَتِهِ ؛ لأَنَّهُ إذَا جَازَ أَنْ يَقَعَ الصُّلْحُ مَعَهُمْ عَلَى أَنَّ الْكُلَّ لَهُمْ ، جَازَ أَنْ يُصَالَحُوا عَلَى أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْبَلَدِ لَهُمْ ، وَيَكُونَ مَوْضِعُ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ مُعَيَّنًا ، وَالأَوْلَى أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى مَا صَالَحَهُمْ عَلَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَيَشْتَرِطَ عَلَيْهِمْ الشُّرُوطَ الْمَذْكُورَةَ فِي كِتَابِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ ، أَنْ لا يُحْدِثُوا بِيعَةً ، وَلا كَنِيسَةً ، وَلا صَوْمَعَةَ رَاهِبٍ ، وَلا قلاية .
وَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، حُمِلَ عَلَى مَا وَقَعَ عَلَيْهِ صُلْحُ عُمَرَ ، وَأُخِذُوا بِشُرُوطِهِ .
فَأَمَّا الَّذِينَ صَالَحَهُمْ عُمَرُ ، وَعَقَدَ مَعَهُمْ الذِّمَّةَ ، فَهُمْ عَلَى مَا فِي كِتَابِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ ، مَأْخُوذُونَ بِشُرُوطِهِ كُلِّهَا ، وَمَا وُجِدَ فِي بِلادِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ ، فَهِيَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ فَاتِحِيهَا وَمَنْ بَعْدَهُمْ .
وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا : يَجُوزُ إقْرَارُهَا لمْ يَجُزْ هَدْمُهَا ، وَلَهُمْ رَمُّ مَا تَشَعَّثَ مِنْهَا ، وَإِصْلاحُهَا ؛ لأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى خَرَابِهَا وَذَهَابِهَا ، فَجَرَى مَجْرَى هَدْمِهَا .
وَإِنْ وَقَعَتْ كُلُّهَا ، لَمْ يَجُزْ بِنَاؤُهَا
وَحَمَلَ الْخَلاّلُ قَوْلَ أَحْمَدَ : لَهُمْ أَنْ يَبْنُوا مَا انْهَدَمَ مِنْهَا . أَيْ : إذَا انْهَدَمَ بَعْضُهَا ، وَمَنْعَهُ مِنْ بِنَاءِ مَا انْهَدَمَ ، عَلَى مَا إذَا انْهَدَمَتْ كُلُّهَا ، فَجَمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ .
وَلَنَا ، أَنَّ فِي كِتَابِ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ لِعِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ : وَلا نُجَدِّدَ مَا خَرِبَ مِنْ كَنَائِسِنَا … وَلأَنَّ هَذَا بِنَاءُ كَنِيسَةٍ فِي دَارِ الإِسْلامِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ اُبْتُدِئَ بِنَاؤُهَا .
وَفَارَقَ رَمَّ شَعْثِهَا ؛ فَإِنَّهُ إبْقَاءٌ وَاسْتِدَامَةٌ ، وَهَذَا إحْدَاثٌ
 . اهـ .

وصلة دائمة لهذا المحتوى : http://www.dimashqiah.com/ar/8719.html

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *